علي الهجويري

139

كشف المحجوب

وبعض الرواة أخطئوا هذا القول بقراءته العمل بحركات القلوب وهذا غير صحيح ، حيث أن الأعمال البدنية ليست لها صلة بحركات القلوب . وإذا كان المؤلف يقصد بتعبيره هذا المراقبة والمشاهدة واستحضار المعاني الباطنية ، فهذا أمر ليس بغريب ، لأن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم قال « تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة » ، والأعمال الروحانية هي في نفس الأمر أكمل من الأعمال البدنية ، إذ أن النتيجة التي تحصل منها أتم من النتيجة التي تحصل من أعمال الجوارح ، لذلك فقد قيل « نوم العالم عبادة ، وسهر الجاهل معصية » لأن قيام الجاهل خطيئة . ونوم العارف قربة ، وذلك لأن قلب العارف بيد الله إذا نام أو قام ، ومتى صار القلب مملوكا صار الجسم مملوكا بالأولى ، وبهذا فالقلب المملوك بالله خير من الجزء الحسى المؤثر في الإنسان الحاكم على جميع أعماله الظاهرية ؛ وأعمال مجاهدة نفسه . يروى أن الحارث قال ذات يوم لدرويش ، كن لله وإلا فلا تكن " يعنى أن تكون باقيا بالله أو تكون معدوما بنظرك ، وإما أن تكون جامعا في صفوتك ، فارقا بفقرك ، وإما أن تكون في الحالة التي وصفها الله بقوله : اسْجُدُوا لِآدَمَ « 1 » وفي الحالة الموصوفة بقوله تعالى : هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً « 2 » فإذا أعطيت نفسك للّه عن بيع خالص قامت قيامتك في نفسك ، وإلا فستقوم قيامتك على يد اللّه تعالى ، وهذا معنى لطيف واللّه أعلم بالصواب . 14 - ومنهم الإمام المعرض عن الخليقة ، الممتنع عن طلب الرياسة ، المنقطع عن الخلق بالعزلة والقناعة ، من لا نظير له في زمانه ، أبو سليمان داود بن نصير الطائي ، من أكبر شيوخ أهل التصوف .

--> ( 1 ) سورة البقرة : آية 34 . ( 2 ) سورة الإنسان : آية 1 .